القوات العراقية تواصل تقدّمهالاستعادة مجمع طبي على أطراف الموصل القديمة .

مين اللي مات ؟


مين اللي مات ؟
بقلم  الكاتب والشاعر \ طارق فريد ..
كنت أسألها من هذا الذي مات؟ قالت إنه المعلم شحاتة . دخلت أشاهده وهو في قبر جماعي ويرقد ممددا في كفن طويل في قبر جماعي مرتب بطريقة طولية ويبدو على شكل غرفة منفصلة في بدروم هذا المنزل الأرضي الذي لا يفصله عن القبر إلا بضع خطوات. فقد كان رجلا يتسم بطول القامة وكنت أشارك الجميع قراءة الفاتحة على روحه ولما انتهينا منها نظرت إليه واقتربت أكثر منه لأرى رأسه و يد ممدودة بجانبه وأخرى على جبينه يفرك بها عينيه . اندهشت عندما رأيته وعيناه متحركة ولم أتمالك نفسي إلا بعد أن لاحظت شخصا آخر يحملق في المشهد وينظر إلي مؤكدا أنه لم يزل حيا. وركزت أكثر فوجدته مستمرا في فرك عينيه وكأنه ينظفها من أثر اللحد والتراب فعدت مسرعا للبيت. دخلت شقة تبدو نظيفة بالدور الأرضي، فوجدت زوجتي تجلس على اليمين وأختها جالسة بمفردها على أريكة الصالون . بينما كانت حماتي تجلس على مقعد فردي، رحبت بهم وعانقت أم زوجتي وقبلتها معتذرا عن تقصيري بزيارتها وقلت لها قريبا سأزورك إن شاء الله . وجلست بجوار زوجتي أنادي ابني فقامت زوجتي بالمهمة ... 
سألتني عن الأمر فقلت لها إن جدي لم يزل حيا. ولا أعلم لماذا قلت جدي . حاول الجميع إيهامي بأني تخيلت المشهد لكني أصررت على استدعاء الطبيب .. وقمت مسرعا لتنفيذ الأمر. استوقفتني سيدة جميلة بسيارتها الفارعة والطويلة ويبدو أنها تعمل سائقة، نظرا لوجود أكثر من شخص بسيارتها . ركبت بالقعد الخلفي حتى نزل الركاب فأوقفت سيارتها واستدارت بجمالها نحوي لتشعل سيجارة وتطلب مني الاقتراب لمقعد مجاور لها كنت أطالبها بالعودة للبيت لأني نسيت حقيبتي التي لا تفارقني بكل محتوياتها وقلت لها سأعطيك مبلغا كبيرا فقط أعيديني لأستلم حقيبتي . التفتُ ناحية اليمين فإذا حقيبتي بجواري فحمدت الله على أني وجدتها. ومضيت نحو الطبيب وكلي أمل في إنقاذ هذا الرجل الذي أتخيله جدي أم هو المعلم شحاته؟
لكن الصورة الأخيرة بذهني تقول: إنه صاحب القامة الطويلة .
وانصرفت وحيدا في طريق بلا عودة صحبة تلك الجميلة التي استحوذت على مشاعري وهدأت من حزني. لكني ازددت هما وحزنا عندما أخبروني هاتفيا أني فقدت عزيزا .. كانوا لا يدرون أن هذا العزيز هو نفسي ! 
كم نحن حمقى وكم هم الحمقى من حولنا الذين ينسون أنفسهم وأحزانهم وقبورهم ويهرولون مع أول نسمات الدنيا الزائفة لكنها الحياة تفاجئنا بأحداثها ومواقف الناس المفرحة منها. فلا نأخذ العبرة من المشهد الختامي لها ونمضي وراء أحلامنا التي غالبا ماتكون أوهاما في حقيقتها. فما قيمة تلك الحياة ونحن نصارعها من أجل البقاء .. لم يكن هذا سعيا كما أمر الرحمن، بل كان وهماً ظنت أيدي الجشع الباحثة عن الدنيا أنها ستناله فلم تترك طريقا إلا سلكته حتى لو كان طريق الخيانة بحجة البحث عن الذات ...
 بقلمي: ( طارق فريد)





تعليقات